الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
479
انوار الأصول
حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيّهما كنت تأخذ ؟ قلت : بأحدثهما وأدع الآخر . فقال : قد أصبت يا أبا عمرو أبى اللَّه إلّا أن يعبد سرّاً أما واللَّه لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي ولكم أبى اللَّه عزّ وجلّ لنا في دينه إلّا التقيّة » « 1 » . ولكن لا يخفى أنّ مورد هذه الرواية هو التقيّة ، ولا إشكال في أنّ المعتبر في هذا المقام إنّما هو آخر ما يصدر من صاحب التقيّة فإنّها على قسمين : تقيّة القائل ، وهي ما إذا كان الإمام عليه السلام في شرائط خاصّة تقتضي بيان الحكم على خلاف الواقع ، وتقيّة السائل وهي ما إذا كان للمسائل ظروف وشرائط خاصّة كذلك فإنّ الإمام عليه السلام كالطبيب ينظر إلى حاجة المأمورين في الظروف المختلفة من لزوم التقيّة أو رفضها ، ومن الواضح أنّ الميزان في تعيين الحكم والوظيفة العمليّة إنّما هو ما مرّ عليه في الحال من الشرائط الجديدة ، ولازمه لزوم الأخذ بأحدث الخبرين . بل يمكن أن يقال : إنّ هذه الرواية وكذلك ما ورد في ذيل الرواية السابقة ( وهو قوله عليه السلام : « واللَّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم » ) الظاهر في مقام التقيّة أيضاً يرفع النقاب عن وجه هذه الطائفة من الروايات بأجمعها ، ويبيّن لنا جهة صدورها وأنّها غير قابلة الاعتماد من هذه الجهة وتكون خارجة عن محلّ النزاع . ومما يؤيّد هذا المعنى ( أي خروجها عن محلّ النزاع ) يقين السائل فيها بأصل الصدور وأصل مجيء الحديث عن جانب الإمام عليه السلام وإنّما الكلام في جهة الصدور بينما محلّ البحث هو ما إذا كان الصدور ظنّياً ، هذا كلّه أوّلًا . وثانياً : سلّمنا كون الأحدثية ميزاناً في الأخذ بأحد الخبرين ، ولكن غايتها أنّها إحدى المرجّحات ، فلا دلالة لهذه الروايات على صورة فقدان هذا المرجّح ، فتكون أخصّ من المدّعى . وثالثاً : أنّها محمولة على عصر الحضور بقرينة ما ورد في رواية معلّى بن خنيس « خذوا به حتّى يبلغكم عن الحي » .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 9 ، من أبواب صفات القاضي ، ح 17 .